السيد حيدر الآملي
385
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
الكشوف الواقفين على سرّ القدر ، ولورود الخطاب الإلهي بحسب إدراك المخاطبين وعقولهم كثر المؤمنون وقلّ العارفون ، لأنّ طور المعرفة فوق طور الإدراك العقلي وهو الكشف عن حقائق الأمور على ما هي عليه وكلّ ميسّر لما خلق له . ( وجود كل شخص مطابق لسؤاله وطلبه بلسان استعداده ) وحاصل هذا الكلام والكلام السّابق من اللّه تعالى وكلام الأئمّة ( ع ) ، شيء واحد وهو أن المشيئة إمّا أن تكون بمعنى العلم الإلهي في الأزل بوجود الموجودات وماهيّاتها وأعيانها من غير تأثير فيها بما يقرّر أنّ العلم ليس له تأثير في المعلوم ، وإمّا أن تكون بمعنى المنع من طرف القابل وامتناع التصرّف فيه من عدم قابليّته ، وإمّا أن تكون بمعنى الإرادة ورجوع الأمر إلى اختياره مطلقا ، فإن كان الأوّل فما شاء هدايتهم إلّا على الوجه الذي كان عالما بهم وباقتضاء أعيانهم وحقائقهم وطلبهم منه الوجود الخارجي واعطائهم ما طلبوا منه بمقتضى ذواتهم لقوله : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ [ سورة إبراهيم : 34 ] . أي وآتيكم من كلّ ما سألتموه بلسان استعدادكم وقابليّتكم ، وإن كان الثّاني فإعطاؤهم الوجود على قدر قابليّتهم واستعدادهم من غير جبر ولا إكراه على شيء خارج عن استحقاقهم لأنّ العدل لا يقتضي غير هذا أي إعطاء وجود كلّ موجود على قدر قابليّته واستعداده كما ورد عن داود ( ع ) أنّه قال : قلت لربّي يا ربّ ! لما ذا خلقت الخلق ؟ قال : لما هم عليه . ويشهد بذلك : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [ سورة الإسراء : 84 ] . وإن كان الثّالث ففي الأزل ما أراد اللّه إلّا أن يهديهم ويرشدهم إرادة واختيارا لا جبرا ولا قهرا حتّى لا يناقض فعله غرضه كما تقدّم ذكره . وعلى جميع التقادير ، تفسير المشيّة بالعلم أولى وأنسب من تفسيرها بالأمر والإرادة ، لأنّ بهذا ترتفع الشّبهات كلّها ويتّضح الأمر عليها على ما هو عليه في نفس الأمر ، وبذلك تزيد الشّبهات ويكثر الإغواء والإضلال للخلق نعوذ باللّه منه واللّه يقول الحقّ وهو يهدي سواء السّبيل ، وسيجيء هذا البحث أبسط من ذلك